أبو علي سينا

11

الإشارات والتنبيهات ( تحقيق زارعي )

التي تشير لهذا المعنى : « رسالة حيّ بن يقظان » و « رسالة الطير » وكذلك النمط الثامن إلى النمط العاشر من كتاب « الإشارات » ؛ وهي تشير كذلك إلى أنّه كان يؤمن بكشف الحقائق عن طريق القلب والشهود . وقد ذهب أبعد من ذلك ، إذ جرّب بعض المعاني العرفانيّة ، حيث صرّح في « الإشارات » أنّه شاهد بعض جزئيّات المعاني المذكورة ، وسمع البعض الآخر ممّن يصدّقه « 1 » . وأمّا عن الّذين تأثّر بهم ابن سينا ، فلم تتوفّر لدينا أخبار مؤكّدة عن ذلك ، غير أنّ محمد بن منوّر ادّعى أنّ ابن سينا كان يلتقي بالشيخ أبي سعيد أبي الخير وأصبح من مريديه « 2 » . ولكن ملاحظة القرائن - التي لا مجال لذكرها هنا - تدلّ على ضعف هذا القول . بيد أنّه كانت هنالك مكاتبات بين الشيخ الرئيس والشيخ أبي سعيد ، لا زالت نسخ منها محفوظة في مكتبات خاصّة ، وهي تحتوي على مجموعة من الأسئلة طرحها الشيخ أبو سعيد على الشيخ يستفسر من خلالها عن سبب استجابة الدعاء ، وكيفيّة الزيارة وحقيقتها وتأثيرها في النفوس والأبدان ؛ وفي هذا مؤشّر على أنّ الشيخ أبي سعيد كان يأخذ عن ابن سينا « 3 » . وفي إحدى المكاتبات نرى أنّ ابن سينا يوصي أبا سعيد بن أبي الخير - بوصايا قيّمة وعميقة المعنى ، نظير ما جاء في رسالته المعروفة المسمّاة ب « العهد » « 4 » . وقد أشير - في بعض آثاره - إلى « رسالته في الزهد » التي كان قد وجّهها إلى الشيخ أبي سعيد « 5 » . بيد أنّنا نستطيع أن نفترض - بعد مطالعة الرسائل المتبادلة بينهما - أنّه كان هناك تبادل آراء بين ابن سينا والشيخ أبي سعيد ، وبالتالي فإنّ كلّا منهما استفاد من الاخر ، كلّ حسب تعمّقه في مجال معيّن من العلوم ؛ فابن سينا أخذ المعارف عن الشيخ أبي سعيد في العرفان ، بينما استفاد الشيخ أبو سعيد من ابن سينا في الحكمة والمباحث النظرية والعقليّة .

--> ( 1 ) الفصل الرابع والعشرون من النمط العاشر . ( 2 ) أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد أبي الخير : 209 - 211 . ( 3 ) رسائل ابن سينا في أسرار الحكمة المشرقيّة : 44 و 45 . ( 4 ) عيون الأنباء : 3 / 14 . ( 5 ) نفس المصدر : 3 / 27 .